08‏/09‏/2011

ما هي الليبرالية ؟ بقلم: د.شريف عرفة


 رشح المفكر الكبير أحمد لطفي السيد (مؤلف العبارة الشهيرة: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) نفسه لعضوية البرلمان.. فلجأ منافسه في دائرة الدقهلية لحيلة غريبة.
 أشاع المرشح وسط البسطاء أن منافسه رجل ديموقراطي،
و أن الديموقراطية تعني: الإباحية و الانحلال..
فكان أن خسر أحمد لطفي السيد الانتخابات!
كثير منا شاهدوا لقطة مشابهة في فيلم أحمد زكي (البداية)..
و التي لم تكن خيالية إذا هذا الحد.
 


يتبادر هذا في ذهني مباشرة حين يسألني أحد على الفيس بوك : إنت ليبرالي ؟

أكتب هذا الموضوع -شديد التبسيط - كي أوضح ما هي الليبرالية كما أراها.


ما معنى الليبرالية ؟
=========
الليبرالية مشتقة من الحرية Liberation.. ..أي أنك حر في تصرفاتك و حر في أن تفعل ما شئت مادمت لا تؤذي الآخرين.
حتى في كرة القدم (الليبرو) هو المدافع الحر غير الملتزم بمراقبة المهاجمين
. أنت تختار كيف تعيش حياتك كما تشاء ، بشرط: أن تحترم حرية الآخرين كما تريدهم أن يحترموا حريتك..

و ينطبق هذا على جوانب الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية


مثال :
..في الولايات المتحدة الأمريكية ، من حقك أن تغير دينك للإسلام و أن تبني المساجد ..و لو كنت امرأة فمن حقك أن ترتدي الحجاب (أو حتي النقاب).. فحرية العقيدة حق محمي بالدستور الأمريكي نفسه.
لكن: يجب أن تحترم من يختار الديانة البوذية مثلا.. و تحترم حقه في ممارسة تعاليم دينه، طالما لم يصادر على حريتك في ممارسة دينك


الحدود الأخلاقية لليبرالية
===========
هل تدعو الليبرالية للتحرر من الأخلاق و القيم ؟

من الواضح أن الليبرالية تتشكل حسب أخلاقيات و ثوابت كل مجتمع.. ففي أمريكا و كندا و أغلب دول أوروبا ، البغاء (الدعارة) ممنوع بحكم القانون.. و لا يعتبر هذا حرية شخصية.

في التلفزيون الأمريكي المجاني (الذي تراه دون دفع اشتراك) لا يسمح فيه بالكلمات البذيئة أو المشاهد الإباحية أو الدموية.. كي لا يجبر الآخرين على مشاهدتها.. لكن من حقك أن تشترك في القناة التي تقدم لك هذه الأشياء.. انت حر.

في المجتمعات الليبرالية ،هناك حدود أخلاقية تتشكل طبقا لقيم المجتمع نفسه.. و ليست الحرية مطلقة دون أي قيود أخلاقية كما قد يتصور البعض.


الدين و الليبرالية :
========
أحيانا يصطدم الدين بالحرية الشخصية .. إلا أن الدين ينتصر في كثير من الأحيان حين تمارس المؤسسات الدينية ضغوطا انتخابية و إثارة للرأي العام..
و هذا جزء أصيل من الليبرالية : حرية الدعوة لمذهبك الفكري لكسب المزيد من المؤيدين.

أمثلة في الولايات المتحدة:

أبحاث الخلايا الجذعية: تتعرض هذه الأبحاث لمنع قانوني نتيجة ضغوط مؤسسات دينية .. لأن الخلايا اللازمة للأبحاث يتم الحصول عليها من الأجنة الميتة.
الإجهاض: تحاول المؤسسات الدينية منع قوانين الإجهاض ، و هو ما يؤيده الحزب الجمهوري.
و أشهر الأمثلة، زواج الشواذ: و هو ممنوع في الولايات الأمريكية كلها ماعدا خمس ولايات (من خمسين) و تتعرض لضغوط المؤسسات المسيحية و اليهودية لمنعه..
الطلاق و المواريث: بعض الأحكام القانونية غير متوافقة مع الإسلام (كالطلاق و المواريث).. لذلك من حق المسلم في أمريكا - أو صاحب أي طائفة دينية - أن يكتب شرطا في عقد الزواج أو وصية قبل وفاته، بتطبيق شريعته في هذه المسائل، و يتم العمل بها بحكم القانون..

أنت حر !

هل الليبرالية كفر بالله ؟
===========
الليبرالية ليست مبدأ دينيا.. لكنها تعني حريتك في الاعتقاد و في ممارسة ما تؤمن به ، مع احترام معتقدات الآخرين و اختياراتهم في الحياة.
مثلا: من حق زوجتك أن ترتدي الحجاب ، و من حق زوجة جارك ألا ترتديه .. من حقك أن تكون متدينا ، و من حق غيرك أن يكون ملحدا
لأن كل شخص مسئول عن اختياراته.


هل الليبرالية تتعارض مع الإسلام ؟
===============

هناك كثير من المسلمين يوصفون بأنهم (ليبراليون إسلاميون)... أي أنهم يؤمنون بالإسلام، و في نفس الوقت بمبادئ الليبرالية: قبول الآخر و الحرية المطلقة و المساواة.. فليس عندهم مشكلة -مثلا- في تولي امرأة الحكم، أو أن يحكمهم شخص غير مسلم.. طالما كان كفئا لهذا المنصب.

لذلك تختلف بعض آراؤهم مع التفسيرات التقليدية للدين.. فيرى الليبراليون أن التفسيرات و آراء العلماء تحترم، لكنها لا تمثل الإسلام نفسه بل تمثل فهم هؤلاء العلماء للأسلام، طبقا لزمانهم و بيئاتهم و خلفياتهم المعرفية..
فهم يؤمنون بقداسة النص القرآني و الحديث النبوي، أما فتاوى و شروح العلماء فليست مقدسة أو منزهة من الخطأ بل هي اجتهادات تخطئ و تصيب. و يدعون لتفسير النصوص في سياق العصر الحديث، و ليس تغيير العصر كي يناسب التفسيرات القديمة.

و يرون أن المجتمع لابد أن يكون حرا ، و ليس مقيدا بفهم فئة واحدة للدين.. فكل شخص يمكنه أن يؤمن و يتدين أو أن ينحل خلقيا، فهذا شأنه.. طالما لم يتعرض للآخرين بأذي أو ضرر أو تضييق لحريتهم.

يرى البعض أن الإسلام يكفل كل هذا ، بينما يرى البعض الآخر أن هذه حرية مفرطة تتعارض مع الدين...
لذلك تم تكفير من أتوا باجتهادات فكرية تختلف عما هو متعارف عليه ، مثل طه حسين.


كلمة أخيرة
=====
الليبرالية مجرد أداة.. من الممكن أن تشكل بها المجتمع بأكثر من طريقة ، طبقا للمجتمع نفسه و قيمه و حضارته..
بالنسبة لي، أرى أن الليبرالية ببساطة هي: من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر !
أنت حر !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يشرفنا نعرف رأيكم